على هامش النفوذ

ليست المناصب اختبارًا لما نستطيع فعله بالآخرين، بقدر ما هي اختبار لما تفعله السلطة فينا حين تصبح بعض القرارات بأيدينا – فالقوة الحقيقية لا تظهر في اتساع الصلاحيات، وإنما في الطريقة التي تُمارس بها، هناك من تجعله المسؤولية أكثر عدلًا واتزانًا، لأنه يدرك أن الموقع أمانة، وهناك من تكشف له المساحة التي مُنحت له جانبًا لم يكن ظاهرًا من قبل، فتتغير المعايير، وتضيق المسافات، وتصبح بعض الأبواب أكثر انتقائية.

وقد يستطيع النفوذ أن يعيد ترتيب المشهد لبعض الوقت، أن يفسح لبعض الأصوات مساحة أوسع، وأن يدفع بأخرى إلى الهامش، وأن يصنع انطباعات تبدو راسخة، لكن القيمة الحقيقية لا تتحدد بمقدار ما يُتاح للإنسان، كما أنها لا تتضاءل لمجرد أن أحدهم اختار ألا يراها.

وفي الحياة المهنية، ليست كل المواقف بحاجة إلى مواجهة، أحيانًا يكون الصمت الواعي أكثر بلاغة، والاستمرار بثبات أكثر قوة، أن تحفظ شواهدك، وتتقن عملك، وتترك للوقت مهمة إظهار ما لا يحتاج إلى شرح.

فالمواقع تتبدل، والدوائر تتغير، وما يبدو اليوم ثابتًا قد يصبح غدًا مجرد مرحلة عابرة، وحده الأثر يبقى، وتبقى معه الطريقة التي عاملنا بها الآخرين عندما كانت لنا القدرة على التأثير في مساراتهم – وفي الختام ، لا يُقاس الإنسان بمقدار السلطة التي امتلكها، وإنما بمقدار العدل الذي بقي فيه حين كان قادرًا على ألا يكون عادلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top