يمثل صرام النخيل أو جني محصول التمور واحدًا من أبرز المواسم الزراعية في محافظة تربة، إذ يشكل خاتمة موسم زراعي طويل يمتد على مدار العام، ويجمع بين الموروث الزراعي العريق والحراك الاجتماعي والاقتصادي الذي ارتبط بالنخلة ومحصولها منذ عقود.
وتبدأ رحلة النخلة منذ مراحل عدة، من التشويك والتلقيح والتعديل، وصولًا إلى اكتمال نضج التمر وتدليه، مرورًا بأعمال تشذيب الجريد وتنظيف النخلة من الشوك والليف، قبل أن يحين موعد الصرام وجني المحصول.
وتجولت ” عين ” الإخبارية في عدد من مزارع تربة، ورصدت استمرار بعض المزارعين في الاعتماد على الطريقة التقليدية للصرام، باستخدام الأدوات القديمة التي توارثتها الأجيال، في مشهد يجسد حضور الموروث الزراعي في حياة الأهالي.
الصرام .. موعد ارتبط بذاكرة الأهالي
ويشير سالم حدري الهذيلي إلى أن صرام النخيل كان منذ القدم يمثل مرحلة انتقالية مهمة في حياة المواطنين، سواء أصحاب المزارع أو غيرهم، موضحًا أنه كان أشبه بـ«مهرجان صيفي» يتوافد خلاله البدو من مناطق مختلفة إلى المزارع للمشاركة في جني التمور.
ويبين أن المشاركة في موسم الصرام لم تكن مقتصرة على العمل، إذ يحصل المشاركون على مبالغ مالية أو كميات من التمور مقابل جهودهم، فيما يمثل الموسم مصدر دخل مهمًا للمزارعين، يساعدهم بعد بيع المحصول على سداد الديون وتلبية احتياجات أسرهم، ومنها شراء السيارات أو بناء المنازل – ولفت إلى أن بعض المواطنين لا يزالون يعتمدون على دخل مزارع النخيل في تسيير شؤون حياتهم، ما يعكس الأهمية الاقتصادية التي يحتفظ بها هذا الموسم حتى اليوم.
أدوات قديمة تحكي قصة الصرام
من جانبه، يوضح محمد مجيول أن عملية الصرام تمر بعدة مراحل، وتستخدم خلالها مجموعة من الأدوات التقليدية، من أبرزها «الجحشة»، وهي أداة مصنوعة من الحبال تساعد على تسلق النخيل الطويلة، إضافة إلى «المحش» المستخدم في قطع العرجون المحمل بالتمر.
وبعد قطع العراجين، تُجمع التمور على فرشة تعرف باسم «المسطح»، لتبدأ بعدها مرحلة التنقية، التي تعد من أدق مراحل الصرام، إذ يجري خلالها فرز التمور وتصنيفها بحسب الجودة، والتقاط التمور الجيدة حبةً حبة، بمشاركة عدد كبير من الأيدي العاملة – وأضاف أن التمور بعد الانتهاء من التنقية تُجمع في خرائط أو أكياس مخصصة، أو تُكبس في صفائح حديدية، تمهيدًا لعرضها للبيع والاستفادة من عائدها.
موسم يمتد لنحو شهر ونصف
ويبين سعود البقمي أن موسم صرام النخيل يستمر عادةً من شهر إلى شهر ونصف، بحسب كثافة أعداد النخيل في المزرعة، مشيرًا إلى أن هذه الفترة تشهد حركة ونشاطًا يوميًا يبدأ من ساعات الصباح ويستمر حتى المساء.
ويشارك في عمليات الصرام أبناء أصحاب المزارع والعمال، وسط أجواء تعكس ارتباط الأسر بالمزارع وموسم الحصاد – وتحتضن تربة عددًا من أصناف النخيل والتمور، من بينها الصفري، والسكري، والخلاص، والسلج، والسري، والصقعي، والبرحي، ونبوت سيف وغيرها من الأصناف.
هدية الموسم وتعزيز التواصل الاجتماعي
ولا يقتصر أثر موسم الصرام على الجانب الزراعي والاقتصادي، إذ يمثل مناسبة اجتماعية تتجدد خلالها علاقات التواصل بين الأسر والأقارب والجيران – ويحرص المزارعون على إهداء جانب من إنتاجهم إلى الأقارب والجيران، في تقليد متوارث يمثل «هدية الموسم»، ويجسد قيم التراحم والتعاون التي ارتبطت بموسم حصاد التمور – كما يشهد الموسم تعاون أفراد الأسرة في أعمال الجني والتنقية والتجهيز، بما يعزز حضور المزرعة باعتبارها مساحة تجمع أفراد الأسرة وتعيد إحياء الممارسات الزراعية المتوارثة.
الاستفادة من كامل المحصول
وتتجاوز الاستفادة الاقتصادية من النخيل التمور الصالحة للبيع، إذ يجري الاستفادة من التمور التالفة وتحويلها إلى أعلاف للماشية، بما يعزز الاستفادة من مختلف مخرجات المحصول ويحد من الهدر – وهكذا يظل صرام النخل في تربة أكثر من مجرد موسم لجني التمور؛ فهو ذاكرة زراعية واجتماعية واقتصادية، تختصر عامًا كاملًا من العناية بالنخلة، وتجمع في أيام الحصاد بين العمل والتعاون والتجارة والكرم، لتستمر ملامح هذا الموروث حاضرة في حياة الأهالي جيلًا بعد جيل.







