روى عن الغربان حكاية مثيرة تُعرف بـ (محكمة الغربان) حيث تجتمع حول أحد أفرادها وكأنها تحاكمه على ذنب اقترفه، غير أن العلم يقدّم مشهدًا مختلفًا، فلا دليل على وجود محاكم أو أحكام لديها وإنما تشير الدراسات إلى أن الغربان تتجمع عند موت أحد أفرادها، ترصد الخطر وتتذكر مصادره وتتعلّم كيف تتجنبه مستقبلًا. (ساينس دايركت )
وربما تكون الحقيقة أبلغ من الحكاية، فالغراب أمام الخطر لا ينشغل بالبحث عن مذنب، بقدر انشغاله بفهم ما حدث حتى لا تتكرر الخسارة.
وهنا يبدأ السؤال البشري:
ماذا نفعل نحن عندما يقع الخطأ ؟
في العمل والأسرة والمجتمع، كثيرًا ما يبدأ التحقيق بسؤال :
مَن أخطأ ؟ ويتأخر السؤال الأهم :
لماذا حدث الخطأ ؟
نحدد المسؤول، نسجل الملاحظة وربما نفرض العقوبة، ثم نغلق الملف، في حين يبقى السبب الحقيقي في مكانه، ينتظر فرصة أخرى ليعيد الخطأ بوجه جديد.
المساءلة ضرورة والعدالة تحفظ الحقوق، غير أن الحكمة تتجاوز إدانة المخطئ إلى فهم الخطأ، فالعقوبة قد توقف شخصًا، أما المعرفة فتمنع تكرار المشكلة.
لعلنا إذن لا نحتاج إلى مزيد من محاكمات الأخطاء، بقدر حاجتنا إلى فهم أسبابها وصناعة ذاكرة تتعلم منها.
فالخطأ الذي نفهمه قد ينتهي والخطأ الذي نكتفي بإدانة صاحبه قد يعود بوجه آخر.
وربما لا تملك الغربان محاكم كما تخيلنا، لكنها تملك ما نفتقده أحيانًا بعد كل خطأ :
ذاكرةً تتعلّم.