مضى أكثر من عام على تطبيق هيكلة منظومة التعليم وإغلاق إدارات التعليم في المحافظات، ومكاتب التعليم التابعة لها ، ضمن مسار يستهدف تطوير العمل، ورفع الكفاءة، وترشيد الموارد، ومواكبة التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030.
ولا خلاف على أن التطوير ضرورة، وأن المؤسسات لا يمكن أن تبقى أسيرة أشكالها الإدارية القديمة ، فالرؤية جاءت لتصنع مستقبلًا أكثر كفاءة وفاعلية، وتنقل الخدمات إلى مستويات أعلى من الجودة والاستدامة. لكن التعليم تحديدًا يستحق أن ننظر إلى تحوله بشيء من الخصوصية ، لأنه ليس خدمة إدارية مجردة، بل منظومة إنسانية تبدأ بالطالب، وتمتد إلى الأسرة والمدرسة والمعلم والمجتمع.
وبعد أكثر من عام على التجربة، يصبح من المشروع أن نسأل بهدوء وموضوعية :
هل حققت تجربة إغلاق إدارات التعليم ومكاتبها في ( المحافظات ) التوازن المطلوب بين كفاءة الإنفاق وقرب الخدمة من المستفيد؟
فإدارات التعليم ومكاتبها لم تكن مجرد مبانٍ تضم موظفين ومشرفين، بل كانت نافذة قريبة للطالب وولي أمره، وسندًا للمدرسة والمعلم، ومكانًا تُعالج من خلاله احتياجات القبول والتسجيل والنقل والتدريب والمتابعة وغيرها، ولا سيما في المحافظات والمراكز والقرى البعيدة عن مقار الإدارات العامة للتعليم.
ولا شك أن التحول الرقمي استطاع أن ينقل جانبًا كبيرًا من الخدمات إلى فضاء أكثر سرعة ومرونة، وهذه إحدى ثمار التطوير التي ينبغي تعزيزها. غير أن نجاح الرقمنة لا يُقاس بعدد الخدمات التي انتقلت إلى الشاشة فحسب، بل بقدرتها على إيصال الخدمة إلى المستفيد بسهولة وجودة وعدالة. فبعض الحالات تظل بحاجة إلى معالجة بشرية مباشرة وسريعة، كما أن تفاوت الظروف والمهارات الرقمية والمسافات الجغرافية يجعل من المهم الإبقاء على بدائل مرنة عند الحاجة.
ومن هنا، فإن السؤال بعد عام ليس فقط: كم وفرنا من الموارد؟ بل أيضًا: هل انخفض زمن الحصول على الخدمة؟ وهل قلّت رحلة المستفيد؟ وهل تحسنت جودة المعالجة وارتفع رضا الطالب وولي الأمر والمدرسة؟
فرؤية السعودية 2030 لا تجعل كفاءة الإنفاق غاية منفصلة عن جودة الحياة، بل تجمع بين الكفاءة وجودة الخدمة وتجربة المستفيد. ولذلك ينبغي ألا يُقاس نجاح إعادة الهيكلة بعدد المكاتب التي أُغلقت أو الموارد التي جرى توفيرها وحدها، وإنما كذلك بسرعة وصول الخدمة وجودتها وسهولتها وعدالة توزيعها جغرافيًا.
ولهذا فإن مراجعة تجربة إغلاق مكاتب التعليم،ك على وجه الخصوص ، والنظر في مدى الحاجة إلى إعادة فتحها او بعضها، بعد مرور فترة كافية على تطبيق القرار، لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تراجعًا عن التطوير ، فالمراجعة في الإدارة الحديثة جزء من التطوير نفسه، والقرار الناجح ليس القرار الذي لا يُراجع، بل القرار الذي تُقاس نتائجه ويُحسّن كلما كشفت التجربة عن فرصة للتحسين.
ولعل مما يعزز أهمية هذه المراجعة مبادرة بعض الإدارات العامة للتعليم إلى تكليف مشرفين أو ممثلين عنها في المحافظات التي تتبعها تعليميا وهي خطوة يمكن قراءتها بوصفها استجابة لحاجة الميدان إلى وجود حلقة اتصال قريبة تمثل الإدارة العامة في المحافظة نفسها. وإذا كانت طبيعة العمل في ( الادارة العامة للتعليم ) قد أظهرت الحاجة إلى وجود من يمثل الإدارة في كل محافظه ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يُدرس تطوير هذا التمثيل إلى نموذج مؤسسي خدمي رشيق، يكون أكثر وضوحًا في صلاحياته ومسؤولياته، ويتولى خدمة المدارس في الأمور العاجلة التي تتطلب حضورًا ميدانيًا، ويمثل الإدارة العامة للتعليم في المحافظة، ويكون حلقة وصل مباشرة بينها وبين المدارس والمستفيدين؟
فالحاجة إلى التمثيل الميداني، متى ثبتت بالتجربة ومؤشرات الأداء، لا تعني العودة إلى الهياكل السابقة بكل تفاصيلها وتكاليفها ، بل قد تكون فرصة لإيجاد صيغة حديثة تجمع قرب الخدمة وكفاءة التشغيل والتحول الرقمي في آن واحد.
وليس المطلوب بالضرورة إعادة المكاتب بصورتها السابقة أو بأعداد كبيرة من الموظفين والتكاليف، بل يمكن التفكير في نموذج أكثر رشاقة تحت مسمى «مكتب التعليم الخدمي»، أو أي مسمى تنظيمي مناسب، بكادر محدود ومؤهل، يخدم نطاقًا جغرافيًا محددًا، ويمثل الإدارة العامة للتعليم في المحافظة، ويركز على الخدمات العاجلة والمهام التي تستدعي حضورًا ميدانيًا، فيما تستمر بقية الإجراءات والخدمات إلكترونيًا.
ويمكن تحديد الحاجة إلى هذه المكاتب وفق معايير قابلة للقياس؛ منها بُعد المحافظة ومراكزها عن مقر الإدارة العامة للتعليم، وعدد المدارس والطلاب، والامتداد الجغرافي، وحجم الطلب على الخدمات، ومتوسط زمن إنجاز المعاملة، وطبيعة الاحتياجات الميدانية، ومستوى الجاهزية الرقمية، ورضا المستفيدين.
فالعبرة ليست بإعادة كل ما أُغلق، ولا بالإبقاء على كل ما أُلغي، وإنما بأن نقيس، ونراجع، ونطوّر، ونضع الخدمة حيث تكون الحاجة إليها أكبر.
وبعد أكثر من عام على التجربة، قد يكون الوقت مناسبًا لإجراء تقييم ميداني شامل، يستمع إلى الطالب وولي الأمر والمعلم ومدير المدرسة، ويقارن زمن الحصول على الخدمة وجودتها وتكلفتها قبل إعادة الهيكلة وبعدها ، فالأرقام تقيس كفاءة القرار، لكن تجربة المستفيد تكشف أثره الحقيقي.
نحن مع رؤية وطن طموح، ومع التطوير، والتحول الرقمي، وكفاءة الإنفاق؛ لكن نجاح هذه المبادئ يكتمل حين تبقى مرونة التطبيق والمراجعة المستمرة جزءًا من صناعة القرار.
ففي التعليم لا ينبغي أن نقيس المسافة بين الإدارة والمدرسة بالكيلومترات وحدها، ولا بعدد النقرات على الشاشة، بل بالسؤال الأهم:
كم بقي بين حاجة الطالب… ووصول الخدمة إليه؟