حجب بعض الحسابات ذات المحتوى المخل خطوة في المسار الصحيح، ووقفٌ لمن جعلوا من أجسادهم أو أجساد أطفالهم وسيلةً للتكسب، ومن تحويل عدد المتابعين إلى معيار للتفاخر والوجاهة، ثم ربط ذلك باستعراض المظاهر الاستهلاكية والإنفاق على الماركات الفارهة.
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد حسابات تُغلق أو محتوى يُحجب؛ بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكبر: أي نوع من المحتوى نريد أن نراه حاضرًا في فضائنا الرقمي؟
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا من الحياة اليومية، ولم تعد مجرد وسيلة للتسلية أو التواصل، بل تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها، يتنافس فيها البعض على المشاهدات والإعلانات والانتشار. ومع هذا التنافس، قد تتراجع أحيانًا الحدود بين الحرية الشخصية والمسؤولية الاجتماعية، خصوصًا عندما يكون الأطفال طرفًا في صناعة المحتوى أو عندما يتحول الجسد والخصوصية والحياة الأسرية إلى أدوات لجذب المشاهدات.
ومن المهم هنا التأكيد أن تنظيم المحتوى لا يعني مصادرة الإبداع أو التضييق على حرية التعبير، وإنما يعني وضع حدود واضحة تحمي المجتمع، وتصون كرامة الإنسان، وتحفظ حقوق الطفل، وتمنع استغلال المنصات في تقديم محتوى يتعارض مع القيم والآداب العامة. وهذه المبادئ تتسق مع الضوابط الإعلامية التي تشدد على عدم الإضرار بحقوق المرأة والطفل، واحترام الخصوصية والكرامة، والحفاظ على الذوق العام والقيم والفضائل.
ولعل الأخطر من المحتوى المخل ذاته هو أن يتحول إلى نموذج يُحتذى؛ فيصبح الاستعراض غاية، وعدد المتابعين شهادة نجاح، والمبالغة في الإنفاق معيارًا للمكانة، بينما تُختزل قيمة الإنسان فيما يملك وما يعرضه أمام الآخرين.
ومن هنا فإن مسؤولية تنظيم المشهد لا تقع على الجهة المنظمة وحدها، بل تبدأ أيضًا من الأسرة، مرورًا بالمجتمع، وانتهاءً بالمستخدم الذي يملك قرار المتابعة والمشاهدة والتفاعل. فكل مشاهدة تمنح محتوى ما عمرًا أطول وانتشارًا أوسع، وكل تفاعل قد يتحول إلى حافز للاستمرار.
إن ضبط الفضاء الرقمي ليس حربًا على الشهرة، ولا رفضًا للتقنية، وإنما محاولة لإعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الانتشار والقيمة، وبين صناعة المحتوى واحترام الإنسان – وفي ظل هذا المشهد، تأتي الإجراءات التي بدأت هيئة تنظيم الإعلام باتخاذها تجاه بعض الحسابات التي تتجاوز الآداب العامة والضوابط الإعلامية، لتؤكد أن الفضاء الرقمي ليس ساحة مفتوحة بلا مسؤولية، وأن حرية النشر لا تعني تجاوز القيم أو المساس بالذوق العام أو استغلال المنصات لتحقيق الانتشار بأي وسيلة.
واللافت أن مثل هذه الإجراءات لا تستهدف الشهرة بحد ذاتها، ولا تحارب حضور المشاهير في المشهد الإعلامي، وإنما تضع حدًا للممارسات التي تجعل من الإثارة والإساءة واستعراض الخصوصيات وسيلة لجذب المتابعين وتحقيق المكاسب ، وهنا تكمن أهمية التنظيم؛ في أن تكون الشهرة مرتبطة بما يقدمه صاحب الحساب من قيمة، لا بقدرته على تجاوز الخطوط الحمراء.