حين نتحدث عن الوطن، لا أتحدث عن كلمات تُكتب في سطر، ولا عن قصيدة تُلقى في مناسبة، ولا عن عبارات فخر نرددها ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال – الوطن بالنسبة لي أعمق من ذلك بكثير – الوطن شعور يسكن الإنسان قبل أن ينطق به، وانتماء نشعر به قبل أن نصفه، وأمان ندرك قيمته حين نعرف معنى فقدانه.
الوطن هو المكان الذي يمنحك هوية تقول: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟ وأين موطني؟
وهو المقر الذي تستقر فيه، والأرض التي تحمل ذكرياتك، والمكان الذي تشعر فيه أن لك جذورًا تمتد في هذه الأرض ، ولهذا، فإن قيمة الوطن لا يشعر بها من اعتاد وجوده فحسب، بل قد يستشعرها أكثر من فقد وطنًا، أو عاش بعيدًا عنه، أو عرف معنى أن يبحث الإنسان عن الأمان والاستقرار والانتماء.
أما أنا، فأستشعر وطني جزءًا مني؛ لأن الوطن ليس أرضًا نقف عليها فقط، بل هو جزء من هويتنا وحياتنا وذاكرتنا ومستقبلنا.
وأشعر بالفخر حين أتحدث عن وطني أمام العالم، لا لمجرد أن أقول: هذا وطني، وإنما لأتحدث عما قدّم ويقدّم، وعن الرسالة التي يحملها، وعن قيمه الدينية والإنسانية والمجتمعية، وعن ما يقدمه لمواطنيه، وما يسعى إلى تقديمه للإنسان والمجتمع.
وحب الوطن في نظري لا ينبغي أن يبقى محصورًا في الكلمات.
فالكلمات جميلة، لكن الأجمل أن تتحول إلى عمل ومسؤولية وإتقان وعطاء.
أن أكون فردًا نافعًا في وطني، أن أؤدي عملي بإخلاص، أن أربي أبناءً يعرفون معنى المسؤولية، أن أحافظ على مكتسباته، وأن أقدم ما أستطيع في مجالي وموقعي؛ كل ذلك صور من صور الانتماء.
فالوطن لا يحتاج منا أن نصف حبه فقط، بل يحتاج أن يرى أثر هذا الحب في سلوكنا.
الوطن هو الأمان حين تضطرب الأماكن، والهوية حين تتعدد الطرق، والانتماء حين يسأل الإنسان: أين موطني؟
ولهذا، حين أتحدث عن وطني، لا أحتاج إلى كثير من العبارات.
يكفيني أن أقول :
هذا وطني… ومنه بدأت حكايتي، وفيه هويتي، وعلى أرضه أعيش، ومن خيره أعطي، وله من الوفاء ما لا تختصره الكلمات.