على بعد نحو 43 كيلومترًا جنوب محافظة الليث، تقف مدينة السرين الأثرية شامخةً بين رمال الزمن وشواهد الحضارات، لتروي فصولًا من تاريخٍ عريق امتد لقرون طويلة، جعل منها إحدى أهم المدن والموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.
ما قبل الإسلام
وتُعد السرين من أقدم المدن الساحلية في غرب الجزيرة العربية، حيث تشير الدراسات والآثار المكتشفة إلى أن نشأتها تعود إلى ما قبل الإسلام، قبل أن تزدهر خلال العصور الإسلامية المبكرة لتصبح ميناءً تجاريًا مهمًا لمكة المكرمة ومحطة رئيسية للقوافل والسفن القادمة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ربط الجزيرة العربية بشرق إفريقيا
وقد لعب الموقع دورًا اقتصاديًا وحضاريًا بارزًا بفضل موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، إذ أسهم في ربط شبه الجزيرة العربية بشرق إفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، وشكّل نقطة التقاء للتجارة البحرية والثقافات المختلفة على مدى قرون.
وحدات سكنية ومخازن ومواقد فخارية
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت السرين اهتمامًا متزايدًا من الجهات المختصة بالتراث والآثار، حيث كشفت أعمال التنقيب الأثري المشتركة بين المملكة العربية السعودية والصين عن العديد من المكتشفات المهمة، شملت بقايا وحدات سكنية ومرافق خدمية ومخازن ومواقد فخارية، إضافة إلى سور يحيط بالمدينة وبقايا مسجد تاريخي يعكس ازدهار الحياة العمرانية والدينية في الموقع.
كما عُثر على قطع أثرية متنوعة من الفخار والزجاج وخرز العقيق والمباخر والأدوات الحجرية، إلى جانب قطع خزفية صينية تعود إلى أكثر من ألف عام، في دلالة واضحة على العلاقات التجارية الواسعة التي ربطت السرين بموانئ الشرق الأقصى عبر طريق الحرير البحري.
كنزاً أثرياً فريداً
ويرى الباحثون أن السرين تمثل كنزًا أثريًا فريدًا يعكس جانبًا مهمًا من تاريخ الساحل الغربي للمملكة، ويؤكد المكانة الحضارية التي تمتعت بها المنطقة عبر العصور، فيما تتواصل أعمال البحث والتنقيب للكشف عن المزيد من أسرار هذه المدينة التاريخية التي لا تزال تخبئ الكثير بين أطلالها.
وتبقى مدينة السرين الأثرية شاهدًا حيًا على تاريخ الليث العريق، وواحدة من أبرز المواقع التراثية التي تستحق مزيدًا من الدراسة والحماية والتعريف بها، لتظل حاضرة في ذاكرة الوطن كإحدى صفحات الحضارة الممتدة على سواحل البحر الأحمر.


