في زمنٍ تتبدل فيه الموازين، وتتغير فيه المفاهيم، وتبهت فيه أشياء كانت يومًا من أثمن ما يملك الإنسان، يبقى الاحترام وحده قيمةً عصيةً على التقادم، وعملةً لا تعرف الكساد، ولا تنخفض في أي سوق من أسواق الحياة. فهو الثروة الوحيدة التي كلما أنفقت منها ازددت غنى، وكلما منحتها للناس عاد إليك ربحها مضاعفًا، وإن تأخر زمنًا.
فالاحترام ليس كلمةً مهذبة تُقال، ولا ابتسامةً عابرة تُرسم على الوجوه، بل هو موقف، وتربية، وفلسفة حياة. إنه اعتراف صامت بقيمة الإنسان، مهما اختلفت مكانته، أو فكره، أو لونه، أو ثقافته. ولذلك كانت المجتمعات الراقية تُقاس بمقدار ما يسودها من احترام متبادل، لا بمقدار ما تملكه من أبراج شاهقة أو ثروات طائلة.
وما أجمل الإنسان حين يكون محترمًا قبل أن يكون مشهورًا، وموقرًا قبل أن يكون صاحب منصب. فالمناصب قد تُمنح بقرار، والثروة قد تأتي بفرصة، والشهرة قد تصنعها لحظة، أما الاحترام فلا يمنحه إلا حسن الخلق، ونبل التعامل، وصدق المعدن. إنه وسامٌ لا يُعلَّق على الصدور، بل يُكتب في القلوب.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذا العصر أن بعض الناس ظنوا أن رفع الصوت قوة، وأن التقليل من الآخرين ذكاء، وأن السخرية خفة ظل، وأن التجريح حرية رأي. وغاب عنهم أن الاحترام لا ينتقص من هيبة الإنسان، بل يزيدها، وأن الكلمة المهذبة لا تُضعف صاحبها، بل تكشف عن رقيه، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة، بل يختبر أخلاق المختلفين.
وحين ننظر إلى البيوت التي يسكنها الاحترام نجدها أكثر استقرارًا، وإلى المدارس التي يغرس فيها الاحترام نجدها أكثر نجاحًا، وإلى بيئات العمل التي تُبنى على الاحترام نجدها أكثر إنتاجًا، وإلى الأوطان التي يتبادل أبناؤها الاحترام نجدها أكثر قوة وتماسكًا. فالاحترام ليس خلقًا فرديًا فحسب، بل هو مشروع حضاري يبني الإنسان قبل أن يبني العمران.
والعجيب أن الاحترام لا يحتاج إلى مال، ولا إلى شهادة، ولا إلى نفوذ. إنه قرار يتخذه الإنسان مع نفسه، بأن يكون كريم اللسان، جميل الحضور، راقي السلوك. فقد يكون الإنسان بسيطًا في كل شيء، لكنه كبير في أعين الناس؛ لأنه احترمهم، فاحترموه، وأكرمهم، فأكرموه، وحفظ لهم أقدارهم، فحفظوا له مكانته.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لهذه القيمة العظيمة، في منازلنا، وفي مدارسنا، وفي مؤسساتنا، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اختلطت حرية التعبير أحيانًا بفوضى الإساءة، وغابت الحكمة أمام سرعة النشر والانفعال. فالكلمة التي تخرج بلا احترام قد تهدم علاقةً بُنيت في سنوات، وقد تترك جرحًا لا يلتئم، بينما كلمةٌ صادقة مهذبة قد تعيد الأمل إلى قلب، وتحيي مودةً كادت أن تموت.
ويبقى الاحترام، في نهاية المطاف، مرآةً صادقةً لأخلاق الإنسان، ودليلًا على نضجه، وعنوانًا لحضارته. فالناس قد ينسون ما قلته، وقد يتجاوزون ما فعلته، لكنهم لا ينسون أبدًا كيف جعلتهم يشعرون بقيمتهم وكرامتهم.
فلنجعل الاحترام أسلوب حياة، لا مناسبة عابرة، ولنغرسه في أبنائنا قبل أن نطالبهم بالنجاح، وفي نفوسنا قبل أن نبحث عن تقدير الآخرين. فمن احترم الناس، احترمته الأيام، ومن حفظ للناس كرامتهم، حفظ الله له مكانته.
فالاحترام… سيبقى دائمًا العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها، مهما تغيرت الأزمنة، وتعاقبت الأجيال.