من الطاقة إلى القدرة الحاسوبية

عندما بدأت المملكة رحلتها مع النفط، لم يكن الرهان على البرميل بحد ذاته، بل على ما يمكن أن يُبنى حوله من صناعات وقدرات مثال على ذلك استغلال مشتقات النفط المتمثلة في الهيدروكربونات لدخول قطاع البتروكيماويات المتمثل في شركة سابك الوطنية. واليوم نقف أمام لحظة مشابهة، غير أن المادة الخام هذه المرة هي الكهرباء، والمنتج النهائي هو القدرة الحاسوبية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

تُعدّ الكهرباء من أكبر بنود التكلفة التشغيلية لمراكز البيانات، ولا سيما تلك التي تشغّل عناقيد كثيفة من المعالجات عالية الأداء على مدار الساعة لأغراض الذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن قدرة المملكة على توفير كميات كبيرة من الطاقة بأسعار تنافسية نسبياً تمثل عرضاً جذاباً لشركات الحوسبة السحابية العملاقة ومطوّري بنية الذكاء الاصطناعي عند اختيارهم موقع استثمارهم القادم.

وقد أشارت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات سابقاً إلى تعرفة كهرباء لمراكز بيانات الحوسبة السحابية المؤهلة تصل إلى نحو 0.048 دولار للكيلوواط في ساعة، فيما تعلن المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية التابعة لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالرياض عن سعر يقارب 0.05 دولار لقطاع الأعمال، وهو أرخص بأكثر من ست مرات من متوسط أسعار الكهرباء في المملكة المتحدة. رقم كهذا لا يُقرأ بوصفه معلومة، بل بوصفه رسالة تنافسية موجهة إلى المستثمر العالمي.

الطاقة سلعة، أما القدرة الحاسوبية فهي منتج. فبيع الكهرباء كما هي يبقي الاقتصاد في دائرة المواد الخام، أما تحويلها إلى قدرة حاسوبية يشتريها من يدرّب النماذج ويشغّلها فهو انتقال إلى حلقة أعلى في سلسلة القيمة. وكما دعمت الهيدروكربونات قيام البتروكيماويات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، يمكن للكهرباء الميسورة أن تكون الأساس لجيل جديد من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، من المهم التفريق بين الميزة والاستراتيجية. فالسعر المنخفض ميزة، لكنه لا يصنع تميزاً وحده، لأن الميزة قد تجد من ينافسها عليها، أما الاستراتيجية فهي اختيار الملعب الذي سنلعب فيه وكيف سنتفوق على اللاعبين الآخرين.

وأرى أن نجاح هذا التوجه يقوم على ثلاثة أمور تسير جنباً إلى جنب مع الطاقة: الوصول إلى الرقائق المتقدمة عبر شراكات راسخة مع الشركات العالمية، والكفاءات الوطنية القادرة على تشغيل هذه المنشآت وبناء الخدمات فوقها، ووضوح الأنظمة المتعلقة بالبيانات وحوكمتها بما يمنح المستثمر الثقة الكافية للبقاء طويلاً – فلنحافظ على ميزتنا التاريخية في الطاقة، ولنعمل الآن على ألّا نكتفي بأن نكون الأرخص في التكلفة، بل أن نكون الوجهة التي يختارها العالم ليشغّل فيها ذكاءه الاصطناعي.

د . شادي حولدار 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top